الشنقيطي

266

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

11 ] يحتمل كون الكاف زائدة ، ويحتمل أنّها غير زائدة . والمراد بالمثل الذات ؛ كقول العرب : مثلك لا يفعل هذا . يعنون أنت لا ينبغي لك أن تفعل هذا . فالمعنى : ليس كاللّه شيء . ونظيره من إطلاق المثل وإرادة الذات وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ [ الأحقاف : 10 ] أي على نفس القرآن لا شيء آخر مماثل له ، وقوله : كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ [ الأنعام : 122 ] أي كمن هو في الظلمات . وكالاستقلال ، فإنه يقدّم على الإضمار ؛ كقوله تعالى : أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا [ المائدة : 33 ] الآية . فكثير من العلماء يضمرون قيودا غير مذكورة فيقولون : أن يقتّلوا إذا قتلوا ، أو يصلّبوا إذا قتلوا وأخذوا المال ، أو تقطّع أيديهم وأرجلهم إذا أخذوا المال ولم يقتلوا . . الخ . فالمالكية يرجحون أن الإمام مخير بين المذكورات مطلقا ؛ لأن استقلال اللفظ أرجح من إضمار قيود غير مذكورة ؛ لأن الأصل عدمها حتى تثبت بدليل ؛ كما أشرنا إليه سابقا ( في المائدة ) وكذلك التأسيس يقدم على التأكيد وهو محل الشاهد ؛ كقوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * ( في سورة الرحمن ) ، وقوله : فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * ( في المرسلات ) . قيل : تكرار اللفظ فيهما توكيد ، وكونه تأسيسا أرجح لما ذكرنا ؛ فتحمل الآلاء في كل موضع على ما تقدم . قيل : لفظ ذلك التكذيب فلا يتكرر منها لفظ . وكذا يقال ( في سورة المرسلات ) فيحمل على المكذبين بما ذكر ، قيل كل لفظ الخ . فإذا علمت ذلك فاعلم - أنّا إن حملنا الحياة الطيبة في الآية على الحياة الدنيا كان ذلك تأسيسا . وإن حملناها على حياة الجنة تكرر ذلك مع قوله بعده : وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ الآية . لأن حياة الجنة الطيبة هي أجرهم الذي يجزونه . وقال أبو حيان ( في البحر ) : والظاهر من قوله تعالى : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً أن ذلك في الدنيا ؛ وهو قول الجمهور . ويدل عليه قوله وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ يعني في الآخرة . قوله تعالى : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 98 ) [ 98 ] . أظهر القولين في هذه الآية الكريمة : أن الكلام على حذف الإرادة ؛ أي فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ باللّه . . الآية . وليس المراد أنه إذا قرأ القرآن وفرغ من قراءته استعاذ باللّه من الشيطان كما يفهم من ظاهر الآية ، وذهب إليه بعض أهل العلم . والدليل على ما ذكرنا تكرر حذف الإرادة في القرآن وفي كلام العرب لدلالة المقام عليها ؛ كقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [ المائدة : 6 ] الآية ، أي أردتم القيام إليها كما هو ظاهر . وقوله : إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ [ المجادلة : 9 ] الآية ؛ أي إذ أردتم أن تتناجوا فلا تتناجوا بالإثم ؛ لأن النهي إنما هو عن أمر مستقبل يراد فعله ، ولا يصح النهي عن فعل مضى وانقضى كما هو واضح .